يُعَدّ الشعور بالعصبية عند الجوع ظاهرة حقيقية مدروسة بشكل واسع في مجالات علم الأعصاب والفيزيولوجيا. ويرجع هذا التأثير إلى مجموعة من العوامل البيولوجية والهرمونية التي تؤثر مباشرة على الدماغ والمزاج. فيما يلي الأسباب العلمية الرئيسية التي تفسر سبب شعورنا بالعصبية عند الجوع.
1. انخفاض مستوى الجلوكوز في الدم
يُعتبر الجلوكوز المصدر الرئيسي لطاقة الدماغ، وعند الشعور بالجوع، ينخفض مستوى السكر في الدم (Hypoglycemia)، مما يؤثر بشكل مباشر على وظائف الدماغ.
تُعدّ القشرة الجبهية الأمامية المنطقة المسئولة عن تنظيم العواطف والتحكم في الاندفاعات، وهي حساسة جدًا لمستويات الجلوكوز. عندما يقل الجلوكوز، يصبح التحكم في التوتر والمشاعر السلبية أكثر صعوبة، مما يؤدي إلى زيادة العصبية.
2. ارتفاع هرمونات التوتر
يُعتبر الجوع نوعًا من الضغط الفسيولوجي الذي يستجيب له الجسم بإفراز هرمونات التوتر، وأهمها:
- الكورتيزول: وهو الهرمون الأساسي للتوتر، والذي يرتبط بزيادة العصبية.
- الأدرينالين: يعمل على تحفيز الجهاز العصبي ووضع الجسم في حالة تأهب، مما يجعل ردود الفعل أكثر حدة وربما عدوانية.
يُعزى هذا التأثير إلى التطور البشري، حيث كان على أسلافنا أكثر يقظة وعدوانية عند الجوع لزيادة فرصهم في العثور على الطعام.
3. ارتفاع مستوى هرمون الغريلين (هرمون الجوع)
الجريلين أو الغريلين (Ghrelin) هو هرمون يُفرز من المعدة عندما تكون فارغة، ووظيفته الأساسية هي تحفيز الشهية، لكنه أيضًا يؤثر مباشرة على الدماغ، وتحديدًا على اللوزة الدماغية، وهي المنطقة المسئولة عن تنظيم العواطف والعدوانية.
تشير الدراسات إلى أن المستويات المرتفعة من الجريلين ترتبط بزيادة العصبية والسلوك الاندفاعي. كما أن هذا الهرمون ينشط نظام المكافأة في الدماغ، مما يجعل الشعور بالإحباط أكثر حدة إذا لم يتم تناول الطعام فورًا.
4. تأثير الجوع على الناقلات العصبية: انخفاض مستوى السيروتونين
يُعدّ السيروتونين ناقلًا عصبيًا أساسيًا يساعد في تحقيق الشعور بالسعادة وتنظيم العواطف. وتعتمد مستوياته على العناصر الغذائية الموجودة في طعامنا، وخصوصًا التربتوفان، وهو حمض أميني موجود في بعض الأطعمة.
عندما نشعر بالجوع، تنخفض مستويات السيروتونين، مما يؤدي إلى تقلبات مزاجية، وقلق، وزيادة العصبية. ويُلاحظ هذا أيضًا لدى الأشخاص الذين يتبعون حميات غذائية صارمة، حيث يصبحون أكثر عرضة للانفعال والاندفاعية.
الخلاصة: الجوع يُمثل ضغطًا حقيقيًا على الدماغ
العصبية الناتجة عن الجوع ليست مجرد شعور عابر، بل هي نتيجة لمجموعة من التغيرات الهرمونية والعصبية، والتي تشمل:
- انخفاض مستوى الجلوكوز مما يضعف القدرة على التحكم في المشاعر.
- زيادة إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين.
- ارتفاع هرمون الجريلين الذي يعزز الشعور بالعصبية.
- انخفاض مستوى السيروتونين مما يقلل القدرة على تحمل الضغط.
بالتالي، يُضعف الجوع مؤقتًا قدرتنا على التحكم في العواطف، مما يفسر لماذا نصبح أكثر عصبية عندما نشعر بالجوع الشديد. ولكن لحسن الحظ، يختفي هذا التأثير بمجرد تناول الطعام، حيث يستعيد الدماغ توازنه الكيميائي الطبيعي!